أحمد زكي صفوت
117
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
أتعلمين تلك المعضلة ؟ قالت : « أجل أيها الملك ، إنها رؤيا منام ، ليست بأضغاث « 1 » أحلام » . قال الملك : أصبت يا عفيراء ، فما تلك الرؤيا ؟ قالت « رأيت أعاصير « 2 » زوابع بعضها لبعض تابع ، فيها لهب لامع ، ولها دخان ساطع ، يقفوها نهر متدافع ، وسمعت فيما أنت سامع ، دعاء ذي جرس « 3 » صادع : هلمّوا إلى المشارع « 4 » ، فروى جارع « 5 » ، وغرق كارع « 6 » » فقال الملك : أجل ، هذه رؤياي ، فما تأويلها يا عفيراء ؟ قالت : « الأعاصير الزوابع ، ملوك تبابع « 7 » ، والنهر علم واسع ، والداعي نبىّ شافع ، والجارع ولىّ تابع ، والكارع عدوّ منازع » . فقال الملك : يا عفيراء ، أسلم هذا النبي أم حرب ؟ فقالت : « أقسم برافع السماء ، ومنزل الماء من العماء « 8 » ، إنه لمطلّ الدماء « 9 » ، ومنطّق العقائل نطق الإماء « 10 » » . فقال الملك : إلام يدعو يا عفيراء ؟ قالت : « إلى صلاة وصيام ، وصلة أرحام ، وكسر أصنام : وتعطيل أزلام « 11 » ، واجتناب آثام » فقال الملك :
--> ( 1 ) أضغاث أحلام : رؤيا لا يصح تأويلها لاختلاطها . ( 2 ) الأعاصير جمع إعصار وهو الريح التي تهب من الأرض كالعمود نحو السماء ، أو التي فيها العصار بالكسر وهو الغبار الشديد . ( 3 ) الجرس : الصوت . ( 4 ) المشارع جمع مشرعة وهي مورد الشاربة . ( 5 ) جارع : فاعل من جرع الماء كسمع ومنع إذا بلعه . ( 6 ) كارع فاعل من كرع في الماء كسمع ومنع تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا باناء . ( 7 ) التبابع جمع تبع كسكر : ملوك اليمن . ( 8 ) العماء : السحاب الكثيف . ( 9 ) انظر قوله عليه الصلاة والسلام في خطبته في حجة الوداع « وإن دماء الجاهلية موضوعة » . ( 10 ) العقائل : كرائم النساء جمع عقيلة ، والنطق جمع نطاق ككتاب والنطاق والمنطقة : ما تشد به المرأة وسطها للمهنة ، ونطقها تنطيقا : ألبسها النطاق فتنطقت وانتطقت ومنطق النساء أي يسبيهن فيشددن المنطق على أوساطهن للخدمة كالإماء . ( 11 ) الأزلام جمع زلم كسبب قداح كان العرب يستقسمون بها في الجاهلية ( أي يطلبون معرفة ما قسم لهم ) وذلك أنهم كانوا إذا قصدوا فعلا من تجارة أو سفر أجالوا ثلاثة قداح ( القداح جمع قدح بالكسر وهو السهم قبل أن يراش ) وكانت عند أصنامهم ، أحدها مكتوب عليه : أمرني ربى ، والثاني : نهاني ربى ، والثالث : غفل ، فإن خرج الأول مضوا في الأمر ، أو الثاني أحجموا عنه ، أو الثالث أجالوها ثانية حتى يخرج أحد الأولين .